المستــــــــــــــــــــــشرق والجسد الأنثوي العربي :الرغبة في التملك بقلم خولة الفرشيشي

أجساد أنثوية عارية تنضح شبقا فتحرّك غرائز من ينظر إليها، أجساد أنثوية ذات طابع إيروسي صميم تدعو الآخر المتلصص إلى المضاجعة بشكل غير معلن ، هكذا كانت نظرة الإستشراقي لعقود طويلة للجسد الأنثوي العربي، هذا الجسد الذي ينتمي إلى معقل الحريم المحرّم والذي يحظى بقداسة المجتمع فمن يفرط في عرضه كمن فرّط في أرضه، لقد جعل منه الاستشراقي ساحة مفتوحة للفرجة والتأمّل للآخر الذي لا ينتمي إليه، الآخر الذي اخترق حجبه وتجاوز العراقيل التي وضعها المجتمع العربي والإسلامي لحماية نساءه ليصحبن في صالات العرض مرايا شبق الأوروبي ورغبته الجنسية المفرطة تجاه الحريم المحرّم عليه.

عكست المخيّلة الاستشراقية شبق الرجل الأبيض المتنامي تجاه نساء الشرقي فإننا نتجاوز الجسد الأنثوي العاري وحدوده اللحمية وحضوره الغاني والماجن في بعض الأحيان  نحو المسكوت عنه وهي الرغبة المكتومة للمستشرق الذي غيّب الرجل عن لوحاته ليصبح هو المستمتع الأوّل بوفرة اللحم الأنثوي المحرّم عليه وعلى غيره.

بدأ الرسامون الفرنسيون في اختراق الحجب المسلطة على النساء الجزائريات بتصويرهن ونقل تفاصيل أجسادهن الحميمة وكأنّهم يحاولون الاستحواذ على الجزائر المعنوية بعد أن نجحت السلطة الكولونيالية في السيطرة على الأرض، فالمرأة هي العرض في المخيلة العربية والإسلامية.

نجح المستشرقون في اقتحام الحياة الخاصة والعامة في المستعمرات الجديدة كالجزائر وتونس والمغرب ومصر وغيرها من الدول الشرقية تحت غطاء ثقافي ولكن في الحقيقة لم يكن هذا إلاّ خدمة للمصالح الاستعمارية الطامحة في احتلال أجزاء كبيرة من الشرق، وقاموا بتطويع الواقع حسب مخيلتهم، فقدّموا المرأة على أساس أنّها الكائن الجنسي الشبق الذي يقدّم المتعة وهي الوعاء الذي تفرغ فيه كلّ الشهوات مستوحين من كتاب ” ألف ليلة وليلة ” صورة المرأة الشرقية أو الحريم في المجتمع الشرقي، في هذا السياق يمكننا التعرّض إلى لوحة ” امرأة من الجزائر” لصاحبها “أوغست رونوار” والتي رسمها قبل أن تطأ قدمه الجزائر .

لم تكن المرأة في مؤلفات المستشرقين ولوحاتهم تعبّر عن ذاتها بل تعبّر عن ما يسمى بالحريم في المخيلة الغربية الحريم في حكايا ألف ليلة وليلة كما ترجمها أنطوان كالان سنة 1704، نساء سمينات تظهر عليهن علامات الشبق والطابع الإيروسي المنحرف، وهو ما لاحظته الباحثة الراحلة فاطمة المرنيسي وهي تنتقد هذه النظرة الاستشراقية لشهرزاد على أغلفة كتاب ” ألف ليلة وليلة ” المترجم كيف يمكن لأمرأة مهددة في حياتها والمحكوم عليها بالموت كلّ ليلة أن تكون ممتلئة وتنضح شبقا وشهوانية دون أن تتأر خوفا من شبح الموت الذي يلاحقها كلّ ليلة.

حملت مؤلفات  ” إدوارد لين ” والذي أقام طويلا بمصر هذه النظرة الاستشراقية  فقد حمل قلمه نظرته المسبقة للمرأة المصرية حتى وإن ذهب المناصرون له أنّه قد دافع عن المصريين وعاداتهم وتقاليدهم لأنّه لبس ملابس البدو وتأثر كثيرا بمؤلفات العرب الفكرية إلا أنّ إدوارد لين لم يكن يحمل سوى نظرة الغرب لمجتمع الشرق : نساء المتعة والجنس دون حدود في إحدى جمله المشهورة جدّا قال لين : “حين اقتربت من الشاطئ تملكني شعور بأني عريس يوشك أن يرفع حجاب عروسه “، ربّما نستشف من خلال هذه الجملة النظرة الحقيقية حتى وإن تغطت تحت دوافع الاستكشاف والتثاقف بين الحضارات، النظرة الحقيقية لنساء الشرق، النساء المغطيات والمحجبات اللواتي مثلن إحدى الفانتازمات الجنسية للرجل الأبيض الذي لم يرغب سوى في الاستمتاع بهذا الجسد المغطى والذي يحجب شبقه وشهوته العارمة للنشوة، لم يكن المستشرقون سوى رجال يرغبون في الاستمتاع الجنسي على أرض الشرق جاءت بهم الرغبة الجنسية العارمة والتلصص على الأجساد الأنثوية إلى فضاء مجهول وغريب عنهم، لقد جاؤوا خصيصا من أجل رفع الحجاب على النساء لا لتحريرهن بل للإستمتاع بهن كجواري بعد الاستحواذ على أراضيهم وثرواتهم ربّما نتأمل هذا صراحة في لوحة “دولاكروا” والمسماة ب ” نساء الجزائر” والتي صوّر فيها حياة البذخ وكأنّها دعوة ضمنية للاستيطان والتوسع الأوروبي للتمتع بكلّ هذه الثروات ، إنّهم ذكوريون واستعماريون حتى وإن تخفوا تحت شعارات تحرير المرأة من الاستعباد المسلط عليهن.

بدأ الرسام المستشرق في رسم لوحات عن النساء العربيات والمسلمات بأجساد نساء أخريات مومسات ويهوديات تقمصن أدوار النساء المرغوبات فيهن والممنوعات على الرجل الأبيض، نساء رخيصات يستطيع أيّ شخص أن يستمتع بهن بدارهم قليلة على عكس نساء الحريم الممنوع والمسيّج بأسوار العادات والتقاليد والثقافة، لقد ذهب المستشرقون إلى أنّ الحجاب وحجب المرأة من الفضاء العام هو استعباد ذكوري ولم يفهم بعضهم أنّ هذا اختيار المرأة آنذاك ولم يكن استعبادا كما حاول البعض تصويره.

كما اعتمد بعض الرسامون نماذج من نساء أوروبيات تخلصن من سلطة ” الكورسيه ” ولبسن الملابس الفضفاضة ليكن مرايا للنساء الشرقيات اللواتي لا يعرفنهن سوى في الأحاديث المنقولة عنهن، لم يصل الرجل الأبيض إلى المرأة الشرقية فاعتمد على أخريات في مجالس اللهو والطرب بالمجتمعات الشرقية نساء منبوذات من القبيلة والمجتمع  من أجل الوصول إلى المرأة العربية والمسلمة الحقيقية أو لنقل من أجل تصوير رغبته الجنسية فيها حتى وإن اعتمد في هذا التخيّل.

إنّ اللحم الشهيّ في لوحات المستشرقين ليس إلا لحم رغبتهم العارمة في نساء الشرق المحرمات عليهن وهي وإن رسمت تحت دواعي الفنّ والاستكشاف إلا أنّها حملت بين طياتها رغبات استعمارية تطمح إلى استعمار الأوطان العربية والإسلامية بل والتمتع بنسائها كمحظيات وجواري يخدمن على تلبية رغبات الرجل الأبيض والتنفيس عليه، لقد شكلت هذه اللوحات انفصاما حادا بين دعوات المستشرق للحرية والتحرر وبين رغباته الحقيقية في الاستعمار والاستعباد وقد كانت النساء العربيات والمسلمات ضحية هذه الرغبات الجنسية غير المصرّح بها ليظهر هذا الامتلاك الشبقي في لوحات النساء العاريات.

خولة الفرشيشي