التحديات الكبرى في راهن غير متكافئ بقلم عايدة بن كريم


 عايدة بن كريم


أنطلق في هذه الورقة من طرح تساؤلات فرضتها مناقشات بين بعض المُدوّنين حول جدوى المشاركة في الانتخابات في سياق الراهن الذي تُهيمن فيه الوجاهة على المصداقية والمال على الكفاءة: هل استطاعت النخب الوطنية الجديدة، التي صعّدها حدث الثورة، من التطور خارج ديناميكية المركز والأطراف؟ ما هي سمات هذه النخب الجديدة؟ وما هي أهم التحديات التي تواجهها: هيمنة الدولة العميقة أم سلطة المانحين؟
لعله من الصعب الإجابة عن هذه الأسئلة دُفعة واحدة دون تأسيس مناقشات عميقة وصريحة يُساهم فيها الفاعلون بمُختلف توجّهاتهم السياسية والأيديولوجية. لكن سأكتفي بإثارة بعض النقاط التوصيفية:
تتمثل النقطة الأولى في تشكّل شبه إجماع على وجود نوع من السيطرة لجهات أجنبية على فعل النخب القديمة والجديدة على حدّ السواء، وإن بلغت تلك السيطرة درجة الهيمنة والتبعية لدى نخب “الدولة ما بعد الاستعمارية” أو ما اصطلح على تسميته “الدولة الوطنية الحديثة” فهي لم تصل بعد تلك الدرجة لدى النخب التي تشكّلت في سياقات الحراك الثوري، بالمعنى الذي يُعطيه أنطونيو غرامشي لمفهوم الهيمنة. فالصورة الجديدة للمشهد أعقد من أن ترسم على أنها مركز وأطراف، لأنّ في راهن الحال بعض الأطراف (دوليا) تُعتبر مركزا (إقليميا). وهي بدورها تؤدّي أدوارا في سياق ديناميكية عالمية عُنوانها “شمال-جنوب”.
النقطة الثانية تتمثل في تأكيد أهمية النخب الوطنية الجديدة وفي أشكال تطورها التي تأخذ أحيانا ألوان الواقع المُعاش استجابة للحراك الاجتماعي المُصاحب للتحولات الاجتماعية والسياسية. وهذا يجعلها (النخب الجديدة) أمام أحد أهمّ التحديّات وهو البحث عن موارد للفعل (الرافعة والساندة على حدّ تعبير ابن خلدون). ممّا يدفع البعض إلى اعتبار أنّ لا مانع من “الإستقواء” بالمركز لتوفير تلك الموارد التي تُستعمل في معارك التموقعات. وقد تبنّت الموجة الجديدة من النخب، التي أنتجتها لحظة 17-14، فكرة أنّ نخب الحداثة ومركزها (فرنسا) في طريقها إلى الأفول، ومن هنا سيكون هناك دور أكثر مركزية للقوى الإقليمية الجديدة وعلى وجه الخصوص تركيا وقطر التي اكتسبت نوعا من المشروعية بسبب مُساندتها للحراك الثوري والدعم المادي التي تُقدّمه للنخب الجديدة المحسوبة على الحراك الثوري طبعا إلى جانب ارتباطات تنظيمية وتاريخية أخرى تجعل المشهد أكثر تعقيداً. ومن هنا نلاحظ أنّ عدداً لا بأس به من النخب الجديدة لا يجد مانعا في التعاون (؟) مع مؤسسات ومنظّمات إقليمية والعمل على تنفيذ أجنداتها والدفاع عن خياراتها وسياساتها مُقابل ما تمنحه من موارد وما توفّره من فضاءات للفعل. وحتى أن البعض يذهب إلى اقتراح العمل على استنساخ تجربة أردوغان في طريقة إدارة الشأن العام، وعدم الاكتفاء بانتقاء ومضات من تلك التجربة.
أما النقطة الثالثة فهي تتعلّق بالأشكال الجديدة لنخب لا تتحدّد بموقعها السياسي أو الثقافي أو الاجتماعي بل بحسب موقعها من المُجتمع والدولة. وهي النخب “المُستقلّة” التي تهتمّ بقضايا المُجتمع وتُشارك في المناقشات العامة للاحتياجات الآنية للمجتمع دون أن يكون لها موقعا داخل المشهد السياسي بسبب فقدانها للساندة. أو بسبب موقفها من الدولة في نُسختها ما بعد الاستعمارية.
إذن توجد ضمن النخب الجديدة أولا: نخب لا تستطيع أن تتطور خارج المركز الشمالي الذي كان يوما من الأيام مُستعمِراً. وثانيا: نخب لا تستطيع أن تفعل خارج أجندات القوى الإقليمية المانحة التي هي بدورها بصدد التحول إلى مركز داخل توزيع جديد لموازين القوى بين شمال مُهيمن وجنوب مُهيمن عليه. لكن هذين النوعين يُشكّلان قُطبين لخطاب تتداوله النخب المتنازعة حول السلطة ويساهمان أولا: في تشكيل رأي عام مُتذبذب وغير مُستقرّ وثانيا بناء معايير للممارسة السياسية تستجيب لمصالحها الحزبية. ولذا كان لا بدّ من وجود صنف ثالث: نخب مُستقلة على وعي تام بأنها تتحرّك داخل راهن غير متكافئ (ماديا ورمزيا). ومع ذلك تُساهم في الحوارات والنقاشات في المجال العام وهي بصدد التطوّر في اتجاه التأثير في الرأي العام والمشاركة في صناعة وعي مواطني مُستقلّ عن “مراكز” صناعة القرار
قد يشتكي البعض من عدم التوازن بين النخب الثلاث، فبينما يستأثر الصنفان الأولان بسلطة المال والسياسة والإعلام، يفتقد الصنف الثالث الموارد المادية للتأثير والفعل. وما يُمكن أن نلاحظه هنا أنّ الدولة والأحزاب السياسية الشريكة في الحكم اتسمت بإقصاء النخب الوطنية المُستقلّة ومنعت وصولها إلى مواقع الفعل رغم كفاءتها. وؤبما هناك ما هو أكثر إشكالا من ضغط الدولة والأحزاب، فمن جهة تنعزل بعض النخب الوطنية عن المجال العام بحجة الإستقلالية، حيث يُدفع بالبعض إلى إتباع أشكال فعل ذات برج عاجي مرتبط بدوائر مهنية أو أكاديمية وعدم الاهتمام بوسائط التواصل الاجتماعي والحوار مع العموم؛ ومن جهة أخرى يغرق البعض الآخر في المناقشات العامة دون تغذيتها بتصورات نظرية أو نقدية جدية، مُشكّلا بذلك ظاهرة “النخب الجديدة” التي تتحدّث في كلّ شيء يُطلب منها أو لا يُطلب منها.
وهكذا دفع تخلّي الأحزاب السياسية والدولة عن نخبها الوطنية المُستقلة إلى ارتهان القرار السياسي للمانحين من المنظمات الدولية والإقليمية وهيمنة بعض الحكومات الغربية والعربية على وُجهة الحراك. وأدى ذلك إلى تطوّر كمّي في المشهد السياسي ولكن لقد اتسم هذا التطوّر بالارتباك والهشاشة وعدم الاستقرار. حيث لا يُعتبر تطوّرا حين تتشكّل مشاريع سياسية غير مرتبطة ببرامج طويلة الأمد، بل تكون مرتبطة بمحطّة انتخابية فلا تتجاوز مرحلة وجودها السنة الواحدة وفي أقصى الحالات السنتين.
لقد انتقل مركز صناعة القرار السياسي في حالة الفوران التي تمرّ بها مُجتمعاتنا، من هيمنة الشمال (الاستعماري) إلى سلطة مراكز أخرى هي بدورها تُعتبر أطرافا في علاقة شمال-جنوب أو غرب-شرق. ولقد لعبت النخب السياسية والفكرية ولا زالت تلعب دورا رائدا في بناء قواعد الممارسة السياسية وربطها بصانع القرار الإقليمي والعالمي، وغلب على هؤلاء النخب إهمال النخب الوطنية الجديدة التي باتت تؤثّر في وُجهة القرار وتلعب أدوارا فاعلة في صناعة الوعي المواطني ولو بشكل بطيء. ونحن اليوم أمام خيارين رئيسيين: إمّا تحويل الفعل (الاحتجاج والمطالبة والمُقاومة…) إلى سلعة كأي سلعة تخضع لقانون السوق الليبرالي (العرض والطلب والمنافسة غير النزيهة)، أو مُقاطعة جميع السلع المعروضة في مثل هذه السوق (الأصيلة والمضروبة) كما هو الحال مع عدد من المدوّنين الذين اختاروا الصعود فوق الربوة أو العيش خارج الوطن.
ويبقى السؤال الحارق “ما العمل؟”